الشاب السوري وراء مبادرة عطائي في دبي

عطائي هو اسم المؤسسة التعليمية غير الربحية التي عمل بشار البحرة (30 سنة) مع بعض من الشباب السوريين على تأسيسها، وكان هدفها تحسين فرص عمل و ظروف المهاجرين السوريين بالإضافة للسوريين داخل الوطن وذلك من خلال تقديم ورشات تدريب مهنية يقدمها متدربون محترفون. شاركنا بشار مؤخراً تجربته ورحلته في إيجاد منصة للتغيير الإيجابي في المجتمع.

 

بين ليلة وضحاها تغير واقع الحال في سورية… وعندما نجد أنفسنا محاطين بظروف قاسية، فعادةً ما نلجأ إلى الشكوى والتركيز على شعورنا بالسخط تجاه ما يحدث، فما الذي جعلك تقرر أخذ زمام المبادرة والاتجاه نحو فعل شيء إيجابي بدلاً من السلبية والاستسلام للظروف؟

هذا سؤال جيد، لأنني أود أن أوضح أن الفضل في أخذ زمام مبادرة عطائي لا يرجع لي بمفردي بالطبع، فنحن مجموعة من الشباب نفكر في ترك بصمة إيجابية في المجتمع. ولعل ما دفعني حقًا إلى التفكير بتلك الإيجابية هو كوني واحدًا من تلك المجموعة. لا شك أن الأمر أشبه بالعدوى، فإذا كنت محاطا بمجموعة من الأشخاص الإيجابيين سينقلون لك عدواهم الإيجابية، والعكس صحيح. و أود أن أخص بالذكر هنا دكتور كنان بهنسي الذي يعمل على توجيهنا بشكل مستمر. عمل دكتور بهنسي كأستاذ لنا أيام الجامعة، كما أنه صديق لنا في الوقت ذاته. وبينما كنا نجلس معًا نتجاذب أطراف الحديث، اكتشفنا أن لدينا ما نقدمه للمجتمع، ومن هنا تبلورت الفكرة، ووجدنا لها شكلًا محددًا يتمثل في المبادرة. وبدأ هذا الشكل في التغير بما يتناسب مع الظروف والمعطيات التي قابلناها على أرض الواقع.

 

 لا شك أن الأمر أشبه بالعدوى، فإذا كنت محاطا بمجموعة من الأشخاص الإيجابيين سينقلون لك عدواهم الإيجابية، والعكس صحيح.

 

حدّثنا عن دوافعكم لإطلاق مبادرة عطائي، كيف أطلقتها مع زملائك ولماذا اخترتم مجال التعليم على وجه الخصوص كوسيلة للمساعدة؟

لقد أطلقنا مبادرة عطائي عام 2012 وهو العام الذي عانت فيه سوريا  من أشد حالات الاضطراب وعدم الاستقرار، هذا وقد شهد التعليم في دمشق وسوريا بوجه عام حالة من التدهور لم يشهدها من قبل نتيجة لمغادرة الكوادر التعليمية البلاد ولصعوبة وصول الطلاب للجامعات نظراً لوجودها في مناطق غير آمنة. وكانت هذه الصعوبات هي الدافع الأول لاختيار التعليم تحديدًا كوسيلة للمساعدة. ونظرًا لكوننا مجموعة من الشباب الذي يتمتع بمهارات أكاديمية، وخبرات عملية ومحلية وجدنا أن المساهمة في العملية التعليمية هي أنسب ما يمكن أن نقدمه لمجتمعنا في سوريا خاصة مع تردي التعليم وتراجعه. وهكذا جاءت مساهماتنا في صورة دورات تدريبية مختلفة.

ويقوم مفهوم عطائي علىتكوين حلقة من العطاء نعمل فيها على: تقديم دورات تعليمية وتدريبية للمتدرب، وبالمقابل نطلب من المتدرّب بدوره استكمال سلسلة العطاء وتقديم المنفعة لأفراد المجتمع المحتاجة لإعانات مثل الغذاء أو الملابس. فالطرف الأول في دائرة العطاء يتمثل بالمدرّب المحترف و الطرف الثاني هو مجموعة المتدربين و الطرف الثالث هم الأُسر و الناس المحتاجة، وهكذا خلقنا دائرة العطاء. وأود أن أشير هنا إلى أن المبادرة تعمل وفقًا لمبدأ التكلفة المعدومة، حيث نقوم كفريق تنظيمي بالتطوع بوقتنا للتنسيق مع المدرّبين الذين يتطوعون بدورهم للتدريب، ونبحث كذلك عن مراكز تقدم لنا قاعاتها مجانًا ونجد المتدرب في نهاية تلك الحلقة يقدم الإعانة المناسبة للمجتمع.

 

3atta2i

 

كيف ترى حال المبادرة اليوم وما هي أهم نتائجها؟

مبادرة عطائي الآن في مرحلة النمو، وقد تم افتتاح آخر فرع لنا في إسطنبول. أما عن مراكزنا الأخرى، فقد انطلقت المبادرة من دمشق، مرورًا بدبي، ثم عمّان، وبيروت، والكويت، وأخيرًا وليس آخرا إسطنبول.

أول ما بدأنا مبادرة عطائي كان الأمر يتطلب أسبوعاً لنصل للعدد المطلوب لتعبئة القاعة لورشة تدريبية ما، بينما مؤخراً بعدما ظهر أثر وقيمة دورات عطائي وقدرتها على مساعدة وتحسين أفراد المجتمع فصرنا نصل للعدد المطلوب من المتدربين بعد ساعات فقط من الإعلان عن الورشة التدريبية. في عام 2014 وصل عدد المتدربين الذين شاركوا في ورشات العمل ما يقارب 1000 شخص.

أما إذا تحدثنا عن الإنجازات، فيتمثل الإنجاز الحقيقي في نظري في قدرة الشباب السوري المغترب عن بلده على العطاء. إننا نتحدى شعور الاغتراب بفكرة العطاء.

 

يتمثل الإنجاز الحقيقي في قدرة الشباب السوري المغترب عن بلده على العطاء. إننا نتحدى شعور الاغتراب بفكرة العطاء.

 

ما هي أكثر لحظة شعرت فيها بالفخر منذ أن أطلقت المبادرة وحتى الآن؟

سوف أحكي عن قصة وقعت أحداثها هنا في فرعنا بدبي، في أحد الدورات التي نقوم بتقديمها (طرق البحث عن العمل وإجراء مقابلة شخصية ناجحة)،  تلقيت رسالة من واحدة من المتدربات بعد بشهر من انتهاء هذه الدورة وقالت فيها: “أود أن أذكركم بنفسي؛ أعمل مهندسة بالبرمجيات وأتمتع بخبرة خمس سنوات في هذا المجال وقد تركت سوريا وجئت إلى دبي منذ ثمانية أشهر بحثًا عن عمل، ولكن على الرغم من ثقتي فيما أتمتع به من خبرة تقنية في مجالي وإجرائي للعديد من المقابلات الشخصية حينها لم أتمكن من الحصول على وظيفة. وبعد حضوري دورتي التدريبية معكم في عطائي انتبهت إلى الكثير من الأمور التي كنت أجهلها وكان علي القيام بها في مقابلاتي الشخصية، وانتبهت كذلك إلى الأمور التي كنت أقوم بها وكان عليّ تجنبها. وقد أتيحت لي الفرصة من جديد وأجريت مقابلة عمل جديدة قمت فيها بتطبيق نصائحكم، وها أنا أرسل لكم من مكتبي الجديد في العمل. لكم مني جزيل الشكر والعرفان”. لم يكن هناك ما يمكن أن يدخل السعادة إلى قلوبنا كفريق عمل أكثر من رسالة كتلك، لقد شعرنا أننا نجني بالفعل ثمار جهودنا في المبادرة.

 

وها أنا أرسل لكم من مكتبي الجديد في العمل. لكم مني جزيل الشكر والعرفان

 

هل شعرت في لحظة من اللحظات بالشك في نفسك، أو فكرت بأن هذه المسؤولية أكبر من أن تتحملها بمفردك؟

بالطبع أنا لا أتحمل مسؤولية العمل والمبادرة بمفردي كما ذكرنا سابقًا، فمنذ بداية الإطلاق ونحن نعمل كفريق واحد. لكن قد أشعر في بعض الأحيان أن الضغوط بصفة عامة تفوق قدرتي، خاصة حين تتراكم المهام والمسؤوليات في العمل والحياة الشخصية والاجتماعية، إلا أنني حين أتلقى رسالة من أحد المتدربين يشكرنا فيها على مساعدته أو يذكر فيها أن دوراتنا قد غيرت حياته وساعدته على أي نحو، تعتريني رغبة عارمة في أن أستمر. إن مساعدتنا لشخص للحصول على فرصة عمل، لاسيما وإذا كان ذلك الشخص يعول أسرة يشعرنا بأن الأمر يستحق العناء.

 

ما هي نصيحتك التي ترغب بمشاركتها مع شباب آخرين يريدون إحداث تغيير إيجابي وفعّال في مجتمعاتهم؟

أنصح بمشاركة الأفكار، فالعمل في مجموعات أكثر فاعلية وإنتاجية من العمل منفردًا. إننا نتواجد في المجتمع حتى نتعاون ونتكاتف ونتشارك، لا لنعيش في جزر معزولة عن بعضنا البعض. فلا أتصور أن من يفكر في التغيير سيعمل بمفرده؛ فإذا كان هناك من يفكر في ترك بصمة إيجابية وإحداث تغيير، فلابد وأن هناك من يشاركه تلك الاهتمامات في مجتمعه، وعليه العثور على هؤلاء الأشخاص والتعاون معهم لتحقيق أهدافهم بأفضل شكل ممكن.

وأرى أن الرغبة في التنمية المجتمعية يجب أن تكون جزءًا من الأهداف الحياتية لكل أفراد المجتمع. فإذا كان لكل منا قائمة من الأهداف الشخصية، والعملية، والتعليمية، فينبغي أن يكون العمل المجتمعي على رأس تلك الأهداف والاهتمامات، حتى ولو استقطع كل فرد منا 10% فقط من وقته بشكل عام لتحقيق ذلك.

 

من يفكر في ترك بصمة إيجابية، فلابد وأن هناك من يشاركه تلك الاهتمامات.. عليه العثور على هؤلاء الأشخاص والتعاون معهم لتحقيق أهدافهم 

 

لمعرفة المزيد عن مبادرة عطائي قوموا بزيارة:
http://www.3atta2i.org/

اشترك في نشرتنا البريدية

اشترك الآن لمواكبة أحدث مواضيعنا أسبوعياً

Show Buttons
Hide Buttons