تخلّص من معتقداتك المعيقة

قد تتكون لدينا جميعا معتقدات سلبية حول أنفسنا أو حول العالم من حولنا وربما نكون قد اكتسبناها أثناء طفولتنا أو نتيجة أحداث و ظروف حياتية محددة عشناها في الماضي فتترسخ تلك المعتقدات في عقلنا الباطن وتصبح جزءاً منه، على الرغم من أنها قد لا تكون صحيحة أو دقيقة على النحو الذي نظنه. تُعرف هذه المعتقدات السلبية باسم المعتقدات المعيقة وذلك لأنها تمنعنا من الوصول إلى كامل إمكاناتنا و قدراتنا الحقيقية، هي التي تكبلنا وتمنعنا من الانطلاق في مختلف مجالات الحياة.

 

فإذا نشأ أحد، على سبيل المثال، في كنف أسرة تعاني من صعوبات مادية، فإن هذا الشخص على الأرجح سوف يكبر معتنقًا بداخله المعتقدات المعيقة التالية: “إن كسب المال معاناة دائمة“، “لن أنعم بالثراء مهما عملت بكد“، “الحياة غير عادلة تجاهي“.

 

وبالمثل، إذا كان هناك طفلًا بلا أصدقاء في المرحلة الابتدائية أو لم يكن يتمتع بالكثير من الشعبية في صغره، فقد تتشكل عنده معتقدات معيقة تستمر معه طيلة حياته مهما أصبح لديه أصدقاء و شعبية، من قبيل: “هناك ما يعيبني“، “أنا شخص غريب الأطوار، يجب أن أخفي شخصيتي الحقيقية كي لا يبتعد عني الآخرين“، “أنا لست شخصًا محبوباً“.

 

المعتقدات المعيقة تأثيرها سلبي جداً على حياتك، ليست فقط لأنها تشعرك بالاستياء تجاه نفسك وحسب، بل لأنها تجبرك على العيش بأقل من قدراتك و إمكاناتك الحقيقية.

 

لا شك في أن المحاولة تعد الخطوة الأولى في سبيل النجاح، ولكن كيف يمكن أن يكون النجاح حليفك إذا كنت معتقداً “أنا شخص فاشل” حتى قبل أن تبدأ في المحاولة؟
تخيل نفسك تهدف إلى صعود سلم حتى قمته، ولكنك ما أن تصل إلى منتصف الطريق للأعلى حتى تكبلك معتقداتك المعيقة و تخبرك: “توقف هنا، لن تستطيع الصعود إلى القمة.”

 

“ليس هناك لشيء معنى ما لم تجعل له معنى”

 

ولعل الخبر السار هنا، هو أن هناك الكثير من الدراسات التي أثبتت أنه من الممكن تغيير و تعديل و التحكم بعقلنا الباطن، الأمر المذكور من قبل دراسة أجراها أساتذة علم النفس في جامعة ييل في أمريكا تحت اسم “العقل اللاواعي”. فهذا يعني أنه في مقدور أي شخص تغيير معتقداته المعيقة الكامنة في عقله الباطن واستبدالها بمعتقدات أخرى إيجابية تساعده على الانطلاق و تحقيق أهدافه. ما يتطلبه الأمر هو قدر من الإصرار والتصميم والعمل على تطوير الذات. إنك في اللحظة التي تقرر فيها التخلص من معتقداتك المعيقة سوف تتحول حياتك وينكشف النقاب عن إمكاناتك الدفينة.

 

إن أكثر لحظات السعادة والنجاح التي اختبرتها في حياتي الشخصية هي اللحظات التي قررت و آمنت فيها أنني شخص يستحق تلك السعادة وذلك النجاح، ولم أسمح لأفكاري السلبية أن تعيقني عن ذلك مهما كانت تجاربي الماضية قد أثبتت معتقداتي المعيقة. وهكذا فإنني في اللحظة التي قررت فيها أن أغير طريقة تفكيري تغيرت حياتي ولمست نتائج ذلك التغيير فعليًا.

 

حين تتغير معتقداتك سوف تتغير أفعالك، وحين تتغير أفعالك سوف يتغير واقعك، وسوف تبدأ في السعي وراء الأشياء التي لم تفكر أن في مقدورك تحقيقها سابقاً.

إليك خمس خطوات إرشادية من شأنها أن تساعدك على التغلب على معتقداتك المعيقة:

 

الخطوة الأولى: تعرّف على معتقداتك المعيقة وقم بتحديدها

الخطوة الأولى والأكثر أهمية في سبيل تحررك من معتقداتك المعيقة وانطلاقك في الحياة هي تحديدها. فقد يعاني بعضنا من معتقدات سلبية معيقة نجهل بوجودها أصلا نظرًا لأنها ترسخت في داخلنا على مدار السنوات، وهو الأمر الذي يجعل من الصعب علينا الفصل بين المعتقدات وبين الواقع، فنخلط بين ما هو واقع بالفعل لا يمكن تغييره وبين ما هو مجرد معتقد أو فكرة قابلة للتغيير.

 

ومن بين طرق التعرف على معتقداتك المعيقة هي أن تنظر إلى مجالات حياتك المختلفة وتسأل نفسك: أي مجال في حياتي أشعر فيه بالفشل المتكرر؟ هل هو مجال حياتي الاجتماعية؟ أم حياتي المهنية؟ أم حياتي العاطفية والزوجية؟ فإذا وجدت بينهم مجالاً محدداً تشعر عادةً بعدم الرضا عنه مهما بذلت من جهد، فإن معتقداتك المعيقة على الأرجح تكمن في ذلك المجال.

 

فإذا كان مجال حياتك الاجتماعية هو المجال الذي تشعر فيه بعدم الرضا فيمكن أن يكون لديك معتقد معيق يقف في طريقك لتكوين علاقات اجتماعية قوية مثل المعتقد التالي: “أنا لا أعرف كيف أتصرف مع الآخرين و ليس لدي حضوراً مميزً. أشعر بأنني شخص غير محبوب من قبل الآخرين”

 

ما هو المجال الذي تحاول تحسينه في حياتك ولكنه لا يتحسن مهما بذلت من جهد؟

 

إليك الطريقة الثانية لتحديد معتقداتك المعيقة، اتبع مشاعرك.

يشير البروفيسور مات وات، أستاذ في التنمية الذاتية، إلى أن مشاعرك تعد أحد أهم الوسائل لمعرفة معتقداتك المعيقة، وإليك المثال التوضيحي التالي لكيفية الاستعانة بمشاعرك للكشف عن ما يكبلك من معتقدات.

لنفترض أن مجال حياتك العاطفية أو الزوجية هو المجال الذي تشعر بالنقص فيه، فإنك إذن كلما فكرت في حياتك العاطفية تنتابك مشاعر سلبية مثل القلق أو الحزن، عليك حينها أن تتعرف على الأسباب التي تقف خلف تلك المشاعر.

لنستكشف شعوراً مثل القلق، اسأل نفسك “لماذا أشعر بالقلق تجاه حياتي العاطفية؟” فقد تجد أن السبب وراءه هو معتقد بداخلك يقول “أنا لست شخصاً مميزاً كفاية حتى أحظى بالحب أو التقدير، أنا دائمًا الشخص الذي تجرح مشاعره في العلاقة وأخشى أن تجرح مشاعري مرة أخرى.”

وكذلك حين ينتابك شعور سيء كلما فكرت بموضوع محدد، فغالباً ما يكون هذا الموضوع مرتبطاً بمعتقدا سلبي كامن بداخلك.

 

عليك أن تلعب دور المحقق الذي يتتبع المشاعر السلبية ويتحقق منها حتى يستكشف في النهاية المعتقدات المعيقة وراءها

 

الخطوة الثانية: إدراك أنها معتقدات و ليست حقائق

وهنا يأتي دور الاختيار الواعي. كما ذكرنا في السابق، قد يكون من الصعب في بعض الأحيان الفصل بين ما هو مجرد معتقد وبين ما هو واقع،  فإنك في حاجة إلى أن تختار أن تبدأ برؤية تلك المعتقدات المعيقة كمجرد أفكار شخصية تكونت لديك وأن تعترف بأنها معتقدات وليست حقائق مهما بلغت درجة اقتناعك بها في الماضي.

إن الأمر كله بيدك، هل ترغب في عيش حياتك بكامل طاقتك وإمكاناتك؟ أم ترغب في أن تعيش مكبلًا بما داخلك من معتقدات سلبية؟

 

الخطوة الثالثة: أبطل مفعول معتقداتك المعيقة

يمكنك تحقيق هذه الخطوة، والمتمثلة بإضعاف و إبطال مفعول معتقداتك المعيقة، من خلال إثبات عدم صحتها بالإتيان بحقائق تثبت عكسها تمامًا. وإن هذه الخطوة من شأنها أن تخفف تدريجياً من حدة تأثير معتقداتك المعيقة في عقلك حتى تصل في النهاية لقناعتك بعدم صحتها.

 

إذا كان هناك شخص على سبيل المثال يعاني من مشكلة في الارتباط و إيجاد زوجة مناسبة إثر اعتقاد راسخ بداخله يقول له: “إن الفتيات الجميلات و الذكيات من عائلات صالحة لا يتزوجن إلا من الرجال الأغنياء”، ففي مقدور ذلك الشخص إضعاف مفعول ذلك المعتقد المعيق من خلال وضع قائمة بالأشخاص المتوسطين ماديًا في حياته واللذين تزوجوا بالفعل من فتيات جميلات ويتمتعن بالذكاء، ومن ثم فإن عبارته الواقعية المضادة لمعتقده ستكون:

” أعرف أربعة رجال وضعهم المادي مشابه لوضعي وتزوجوا من نساء جميلات وذكيات، وهكذا فإني أنا أيضاً لدي فرصة جيدة مثلهم من العثور على فتاة جميلة وذكية تسعد في الزواج مني.”

 

وكذلك، إذا كان هناك شخص يرغب في أن يكون النجاح حليفه، ولكن معتقداته المعيقة تحدثه بأنه لن يصل للنجاح لأنه لا يملك من الموارد أو العلاقات أو التعليم ما يؤهله إلى ذلك النجاح، فيمكنه إبطال مفعول معتقده المعيق بالفكرة التالية المبنية على الواقع:

“من أشهر وأنجح رجال الأعمال في العالم قد ولدوا فقراء بلا علاقات استراتيجية أو دعم. وعلى الرغم من أن وضعهم كان أسوأ من وضعي، إلا أنهم قد تمكنوا من تحقيق النجاح الباهر نظرًا لإصرارهم وعملهم الجاد، فإذا كان بمقدورهم الوصول للنجاح، فأنا بالتأكيد باستطاعتي الوصول للنجاح أيضاً”

 

الخطوة الرابعة: استبدل معتقداتك المعيقة بمعتقدات جديدة بناءة

إن المعتقدات البناءة هي عكس المعتقدات المعيقة، وهي معتقدات إيجابية تتسق مع النتائج التي ترغب في الوصول لها في حياتك، وتدفعك إلى المضي قدمًا، ومن ثم تجعلك أقرب إلى أهدافك.

 

فبعد أن قمت بالتعرف على معتقداتك المعيقة و بإبطال مفعولها من خلال الكشف عن حقائق تثبت عكسها، فقد حان الوقت الآن لكتابة قصة جديدة لنفسك تخلق فيها معتقداتك البناءة الجديدة تتسق أكثر مع النتائج التي تريدها لكي تعيش الحياة التي طالما حلمت بها.

 

ويمكننا أن نتخذ من الرجل الذي ورد في المثال السابق، ولنطلق عليه اسم “سامي”، مثالًا في هذه الخطوة أيضا.  لقد أراد سامي الزواج من امرأة متميزة  في المجتمع ولكن ما يمنعه هو معتقده المعيق الذي يقول “إن الفتيات الجميلات الذكيات لا يتزوجن إلا من الرجال الأغنياء، لن تهتم واحدة منهن مطلقًا بالزواج مني.”

 

يمكن لسامي أن يستبدل ذلك المعتقد المعيق بآخر بنّاء يقول “أنا أتمتع بالكثير من المواصفات التي من شأنها أن تجذب الفتيات المتميزات تجاهي، فأنا ذكي، وشاب في مقتبل العمر، ومهذب، ومتعلم ومجتهد. وحتى ولو لم أكن فاحش الثراء الآن فالمستقبل لا يزال أمامي ويمكنني العمل على تحسين حياتي المهنية، فأنا شخص متميز وأستحق فتاة متميزة.”

 

وهكذا تتسق معتقدات سامي الجديدة مع رغباته، فمع تلك المعتقدات الجديدة يؤمن سامي أنه يستحق الزواج من امرأة متميزة، مما سيمنحه الثقة في السعي خلف امرأة متميزة، الأمر الذي بدوره سيزيد من فرص زواجه بمن يحلم بالزواج منها. وهكذا يمكننا أن نرى العلاقة المباشرة بين معتقدات المرء عن نفسه وبين النتيجة التي يحصل عليها.

ولذلك بدلًا من أن تركز على ما ليس لديك أو ما لا تستطيع القيام به، ابدأ في التركيز على ما لديك بالفعل وما يمكنك القيام به.

 

ولكن عليك توخي الحذر حين يتعلق الأمر في وضع معتقداتك البنّاءة الجديدة، فإذا شعرت أن معتقداتك الجديدة غير واقعية بالنسبة لك أم أنك لست مقتنعاً أو مؤمناً بها مئة بالمئة فإنك لن تنجح. فإذا ما كانت معتقداتك الجديدة مبالغ فيها أو متطرفة فسوف تأتي بنتائج عكسية، حيث ستدفعك إلى الشعور بأنك بعيد للغاية عما تريد وسوف تعيد من ترسيخ معتقداتك المعيقة القديمة بداخلك.

 

فإذا ما شعرت أن معتقدك الجديد غير واقعي، يمكنك أن تبدأ بمعتقدات أصغر وأكثر واقعية لتجعلها نقطة الانطلاقة. فبدلًا من أن يقول سامي “أنا رجل مثالي، وأي امرأة ستكون محظوظة لو قبلت الزواج منها، وسوف أتزوج حتمًا فتاة أحلامي.” يمكنه أن يقول “أنا أتمتع بالعديد من المواصفات والسمات الجذابة للنساء، وأنا في الطريق الصحيح للعثور على فتاة أحلامي والزواج منها.”

 

ولتجعل مشاعرك هي دليلك لمعرفة ما إذا كان معتقدك الجديد مناسبًا أم لا، فلابد وأن يجعلك معتقدك الجديد تشعر بالحماسة حين تفكر فيه أو حين تردده على نفسك بصوت مرتفع. فإذا لم ينتابك شعور جيد حيال معتقدك الجديد حين تردده، فإن ذلك يعني أنك لا تؤمن به حقًا وأنه غير مقنع بالنسبة لك.

 

الخطوة الخامسة: تخيل نفسك وأنت تعيش معتقداتك البناءة الجديدة

يكمن سر التغير الحقيقي في الاقتناع التام بمعتقداتك البناءة الجديدة التي تبنيتها ليس في مجرد قولها وترديدها، عليك أن تؤمن وتشعر بها حقًا. عليك أن تعيش الهدف الذي تصبو إليه حتى قبل أن يتحقق، وأن تستشعر مذاق الوصول إليه من خلال التخيل والتصور، والذي يعد أحد أهم أدواتك لذلك.

 

إن التخيل وسيلة عظيمة لتعزيز معتقداتك البناءة وتعزيز شعورك بأنها حقيقية.

 

هذا وقد أظهرت العديد من الدراسات تأثير التخيل على حياتنا، فقد أجرى الطبيب النفسي الأسترالي، ألان ريتشاردسون تجربة على مجموعة من لاعبي كرة السلة، حيث قام بتقسيمهم إلى ثلاث مجموعات لاختبار قدرتهم على القيام برميات حرة.

1 المجموعة الأولى قامت بالتمرن على الرمية لمدة عشرين دقيقة يوميًا.

2 أما المجموعة الثانية كان عليها فقط تخيل أنفسهم وهم يؤدون الرمية، ولم يسمح لهم بتدريبات حقيقية.

3 المجموعة الثالثة لم تقم بالتدرب أو بالتخيل.

 

وكان المدهش في النتيجة، أن المجموعة التي تخيلت فقط دون تدريب كانت في نفس مستوى المجموعة التي تدربت بالفعل!

فإنك إذا ما تخيلت نفسك شخصًا ذكيًا واثقًا من نفسه، وجذاب وناجح سوف يساعدك ذلك التخيل على أن تصبح ذلك الشخص الذكي، الواثق من نفسه والجذاب والناجح بالفعل.

 

تخيل نفسك في سيناريوهات محددة تنعم فيها بالنجاح، كيف ستتصرف؟ وكيف ستختلف حياتك؟ وكيف سيتصرف الناس من حولك حين يصبح النجاح حليفك؟ فكر في كل الصور، والأصوات والمشاعر المرتبطة بمعتقدك البنّاء الجديد الذي ترغب في تبنيه، فكر في كل التفاصيل الممكنة واستشعرها حتى تصبح واقعًا ملموسًا.

 

الخاتمة

بمجرد أن تؤمن حقًا بمعتقداتك البناءة الجديدة، سوف تلاحظ تغييرات كبيرة تطرأ على حياتك، وسوف تلاحظ أنك أصبحت أقرب إلى الأهداف التي تود تحقيقها بمختلف مجالات حياتك. وعلى الرغم من أنها ليست بالعملية البسيطة أو السهلة التي يمكن أن تتحقق بين عشية وضحاها، إلا أن الأمر يستحق المحاولة حقًا. فلتبدأ اليوم في تغيير حياتك للأفضل وجني الثمار التي ترغبها في نهاية الرحلة!

 

كتابة: دانة العسة

المراجع:

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2440575/

http://www.llewellyn.com/encyclopedia/article/244

https://www.2knowmyself.com/false_beliefs/limiting_beliefs.

https://www.psychologytoday.com/blog/focus-forgiveness/201311/4-steps-release-limiting-beliefs-learned-childhood

 

اشترك في نشرتنا البريدية

اشترك الآن لمواكبة أحدث مواضيعنا أسبوعياً

Show Buttons
Hide Buttons