كيف يمكن للانطوائيين الانطلاق في العمل

تحدثنا في الأسبوع الماضي عن الشخصية الانطوائية، والفرق بين الانطوائيين والانبساطيين، وكذلك ناقشنا خطوات تساعد الانطوائيين على الانطلاق في محيطهم الاجتماعي (لقراءة مقالنا الأخير حول الانطوائية، انقر هنا!). وسنناقش الآن الانطوائية من المنظور المهني وما الذي يستطيع الانطوائيون فعله للتألق والانطلاق في مكان العمل.

 

يتمتع الانطوائيين بالقدرة على معالجة المعلومات والتفكير الإبداعي الخلاق في مكان العمل إذا توافرت البيئة التي تتيح لهم الخصوصية والهدوء أو حتى العزلة، كما أنهم يعتبرون التفاعل الاجتماعي والعمل الجماعي أموراً تستنزف وتبدد طاقتهم. في حين أن الانبساطيين يكتسبون طاقتهم من التفاعل الخارجي، مثل التفاعل الشخصي والتجمعات الاجتماعية والأفكار المشتركة، وهم أكثر قدرة على الإنتاج والإبداع عند وجودهم ضمن مجموعة وعند التعامل مع الآخرين.

 

هذا لا يعني أن أحدهم أفضل من الآخر، كل ما في الأمر أنهما نوعان مختلفان من حيث طبيعة الشخصية. ولكل من الانطوائيين والانبساطيين مجموعة فريدة من السمات، وكل منهما يمتلك مقومات يمكن أن تسهم بشيء إيجابي في مكان العمل.

 

فأكثر فرق العمل فاعلية تلك التي تحتوي على كلا نمطي الشخصية الانطوائية والانبساطية معًا، حيث يكمل كل منهما بعضها البعض. تقول سوزان كين، خبيرة الشخصية الانطوائية، والكاتبة الأكثر مبيعًا، أن خير مثال على ذلك الفريق المتكامل، هو فريق عمل شركة آبل.

 

لعل أول ما يتبادر إلى ذهننا عند سماع اسم شركة آبل، هو رئيسها التنفيذي ستيف جوبز، ذلك المتحدث الرائع القادر على جذب انتباه العالم، والشهير بقدرته على إثارة حماس كل من موظفيه وعملاءه. ولكن من يخفى عن الجميع، هو ستيف وزنياك، مخترع أول حاسوب لآبل. كان وزنياك الانطوائي الذي يعمل خلف الكواليس. كان يعمل وزنياك بشركة “Hewlett Packard”، وكان يجلس في مكتبه بمفرده لساعات طويلة بعد انصراف زملاؤه ليلًا وفي الساعات المبكرة من الصباح ويصل الشهور بالشهور منفردًا بنفسه حتى توصل إلى اختراعه المدهش لحاسوب آبل. وبعدها ذهب بفكرته إلى صديقه ستيف جوبس ذي الشخصية الانبساطية، والذي تحمس لها كثيرًا واقترح تأسيس شركة معًا. وهكذا لولا ستيف جوبز لم تكن فكرة وزنياك لتخرج إلى النور، فكان تعاون كلا نمطي الشخصية معا هو السر وراء ذلك النجاح الباهر لشركة مثل آبل.

2bf7f6f900000578-3222400-mr_jobs_left_and_mr_wozniak_met_in_1971_when_they_were_introduce-a-5_1441371031295

ستيف جوبز و ستيف وزنياك عام  1971

الصورة من “Dailymail.co.uk”

 

ولكن للأسف يوجد تحيز واضح لصالح الانبساطيين في أماكن العمل اليوم، لاسيما مع وجود مساحات مكتبية مفتوحة ومشاريع جماعية واجتماعات إدارية دائمة. وغالباً ما يجرى تقييم الأداء العام للفرد على حسب مستوى أدائه ضمن مجموعة. فمن السهل اليوم على الانبساطيين أن يتفوقوا في مكان العمل لأن معظم البيئات المكتبية تعمل لصالحهم وتقع ضمن مستوى راحتهم.

 

وللانطوائيين أهمية كبيرة في مكان العمل؛ فقدرتهم على استيعاب وتحليل المعلومات قبل التحدث أو اتخاذ إجراءات يساعدهم في تقديم نتائج أكثر دقة واتخاذ قرارات سليمة.

 

بالإضافة إلى ذلك، فلقد لوحظ أن العزلة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإبداع. وعندما درس علماء النفس حياة الناس الأكثر إبداعاً، تبين لهم أنهم كانوا جميعاً يتصفون بالانطواء بدرجة أو أخرى. حيث يتصف الانطوائيون بالقدرة الكبيرة على الإبداع نظراً لميلهم للعمل في معزل عن الناس، وبالتالي يستطيعون التركيز بشكل يعزز عملية الإبداع.

 

جدير بالذكر أن كون المرء انطوائياً لا يعني أنه خجول؛ فالانطوائي يفضل الخلوة ويستمتع بها حقاً، أما الخجول فهو لا يتفاعل مع الناس لشعوره بالخوف من أن يكون رأيهم فيه سلبيًّا. هذا وقد كان بعض الأشخاص الأكثر إلهاماً و تأثيراً من بينهم زعماء وقادة العالم الأكثر كاريزمية وألمعية انطوائيين، مثل:المهاتما غاندي وبيل جيتس ووارن بوفيت.

93523554

بيل جيتس، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مايكروسوفت، أكبر شركة برمجيات الكمبيوتر في العالم

 

إذا كنت انطوائيًّا، ربما ظننت في فترة من حياتك أن هناك عيباً فيك وأنه يتعين عليك أن تغير طبيعة شخصيتك. ولكن سماتك الشخصية لا يجب أن تكون شيئًا يشعرك بالذنب حياله أو تخجل منه، بل يجب أن تتقبل طبيعتك وتستفيد منها. وستمكنك الخطوات التالية من التألق في مكان العمل دون الحاجة لتقديم تنازلات فيما يخص مهاراتك ونقاط قوتك الفريدة:

 

ابحث عن أماكن توفر الهدوء والعزلة

رغم ان معظم أماكن العمل تتكون في الوقت الحاضر من مساحات مفتوحة ومكاتب بجانب بعضها البعض لتشجيع العمل والتفكير الجماعي، إلا إنه لا يزال بإمكانك العمل في عزلة إذا استدعى الأمر إلى التركيز.

و أذكر أنني كنت كلما شعرت بأنني محاطة بالكثير من الضجة وعناصر الإلهاء في وظيفتي السابقة، وأنني بحاجة إلى الهدوء، كنت أذهب إلى قاعة الاجتماعات التي كانت من الغالب فارغة.

 

عندما تشعر بالإرتباك، حاول العثور على أماكن هادئة أو شبه هادئة فيها أقل قدر ممكن من الضجة و عناصر الإلهاء؛ مثل قاعة الاجتماعات أو المكتبة أو غرفة الحاسوب، وما إلى ذلك…
واحرص على إخبار زملائك من فريق العمل بالمكان الذي ستذهب إليه حتى يتمكنوا من الوصول إليك في حال حدوث أمر طارئ. وأعلم مديرك أنك ذاهب إلى مكان هادئ حتى تتمكن من التركيز في المهمة الموكلة إليك.

 

ولكن، إذا كنت لا تزال موظفاً جديداً في الشركة، فمن المهم أن تظهر نفسك في البداية لتترك انطباعاً جيداً، فخلال هذه الفترة من الضروري أن تكون موجوداً وحاضراً أمام مديرك وزملائك. ويمكنك مقاومة إحساسك بالإرتباك من خلال قراءة المهام الموكلة إليك والاستعداد لها من المنزل قبل بداية يوم العمل.

 

بالإضافة إلى ذلك، حاول أن لا تغيب عن زملائك طوال يوم العمل، فيمكنك الجلوس على مكتبك المعتاد في الصباح، وبعد ذلك عندما تزداد الضجة في فترة الظهيرة يمكنك أن تذهب إلى مكان أكثر هدوءاً. بهذه الطريقة يمكنك الحفاظ على علاقاتك وارتباطاتك بزملائك في العمل.

 

جهز نفسك قبل الاجتماعات

يتصف الانبساطيون بأنهم أكثر قدرة على المساهمة الإيجابية في الاجتماعات وجلسات العصف الذهني، بينما يفضل الانطوائيون المراقبة عن بعد والتحفظ في الكلام، لأنهم غالباً ما يحتاجون إلى الهدوؤ لتحليل أفكارهم. ولكن هناك طرق يمكن أن يستعين بها الانطوائيون للمساهمة الإيجابية في الاجتماعات ولإبراز تميزهم مع شعورهم بالراحة في الوقت ذاته.

 

إذا كان هناك اجتماع مترقب، فاحرص على أن تعرف مسبقاً بموضوع الاجتماع. وإذا لم يكن لديك إلا فكرة عامة، فاطلب المزيد من التفاصيل بالإضافة إلى جدول أعمال الاجتماع. ولا تتردد بالسؤال عن هذه الأمور، لأن هذا سيظهر لمديرك أنك مهتماً اهتماماً حقيقياً بموضوع الاجتماع، وهو ما سيبرز صورة إيجابية عنك.

 

وبمجرد أن تعرف جدول أعمال الاجتماع، قم بإعداد وكتابة النقاط أو الأفكار التي ستطرحها خلال الاجتماع، فهذا سيسهل عليك المشاركة أثناء الاجتماع دون الشعور بالارتباك.

 

وإذا طرأت إلى ذهنك أفكار جديدة بعد انتهاء الاجتماع ترى أنها تستحق الطرح ولم تُناقش، فابعث رسالة متابعة بالبريد الإلكتروني إلى الحضور تعرض فيها الأفكار أو النقاط التي ترغب في إضافتها. يمكن أن يكون مقدمة الرسالة شيئاً على مثال: “تعقيباً على نقاشنا السابق، وبعد مزيد من التفكير في هذا الموضوع، أود أن أضيف بعض النقاط…”

people-woman-coffee-meeting-medium

الشيء نفسه ينطبق على العمل الجماعي والعصف الذهني؛ فالاستعداد المسبق هو أقوى أسلحتك دائماً. وبقليل من الإعداد يمكنك أن تحقق الكثير من النجاح في مشوارك المهني، ولا يشترط أن تعمل ضعف الساعات، بل يكفي أحيانا أن تخصص 15 دقيقة فقط للقراءة والتفكير في الموضوع. هكذا تستطيع الدخول في أجواء العمل بوتيرتك الخاصة قبل أن تضطر إلى ممارسة النشاط ضمن المجموعة.

 

خصص وقتاً للتفاعل الاجتماعي خلال يومك

إذا ما تُرك العديد من الانطوائيين لطبيعتهم الخاصة، فقد لا يغادرون مكاتبهم طيلة اليوم، ولما تحدثوا مع أي شخص، إلا نادراً.

ولكن تكوين العلاقات في مكان العمل أمر بالغ الأهمية، ولا غنى عنه لتحقيق نتائج جيدة من العمل الجماعي وتمهيد سبل التواصل والتفاهم، كما أنه مهم أيضاً على المستوى الشخصي؛ فأكثر أصدقائي المقربين هم أناس قابلتهم خلال العمل.

 

خلافاً للاعتقاد الشائع، فبوسع الانطوائيين امتلاك قدرة هائلة على تكوين علاقات اجتماعية. ورغم أن التفاعل مع مختلف أنواع الناس قد يكون أكثر سهولة بالنسبة للانبساطيين، إلا أن الانطوائيين يتمتعون بموهبة تعزيز العلاقات الثنائية الوثيقة.

 

وتقترح كين تخصيص وقت كل يوم للتجول في أرجاء المكتب، وتجاذب أطراف الحديث مع الزملاء أو الإطلال على مكتب زميل العمل لتقول له “مرحبًا”. وبتحويل التفاعل الاجتماعي إلى عادة يومية ستشعر في نهاية المطاف أنه بات أمراً طبيعيًّا لا يحتاج إلى جهد أو تصنع.

 

ولا تنسى أن واحداً من أهم عوامل الترقي في عملك يتمثل في تكوين علاقات متينة. ومن هنا، فإن تخصيص ثلث ساعة يوميًّا للتفاعل الاجتماعي سيحدث فرقاً كبيراً في حياتك المهنية.

 

خذ استراحة وجدد نشاطك كل 90 دقيقة

إن أخذ استراحة أمر مهم للجميع، ولكنه أمر حتمي للانطوائيين على وجه التحديد لأنه يعيد شحن الطاقة ويعيد العقل إلى حالة التركيز.

 

ومن يبذلون أكبر جهد ويعملون لأطول عدد من الساعات ليسوا هم الأكثر إنتاجاً بالضرورة. حيث يشير تقرير أعدته النيويورك تايمز بعنوان “استريحوا وستكونون أكثر إنتاجية!” إلى أهمية أخذ فترات راحة وعلاقتها بأداء العمل الإيجابي.

 

ووفقا للدكتور كيه اندرس إريكسون بجامعة فلوريدا ستيت، فإن الاستراحة عن العمل كل 90 دقيقة هي الوصفة المثالية لتحقيق أقصى قدر من الإنتاجية. وأثناء دراسته لأداء العاملين في مختلف المجالات، بما في ذلك الموسيقيين والرياضيين والممثلين ولاعبي الشطرنج، وجد أن أفضل العاملين في كل المجالات هم من يمارسون أعمالهم لفترات متواصلة تدوم حوالي 90 دقيقة. حيث يبدأون في الصباح، ثم يأخذون قسطاً من الراحة بين فترة واخرى، ونادراً ما يعملون أكثر من أربع ساعات ونصف يومياً!

 

ولا تخلط بين العمل والراحة، بل ينبغي الفصل بينهما دائماً. فإذا كنت في استراحة الغداء، فلا تأكل على مكتبك، اذهب إلى الكافتيريا أو حتى غادر المكتب كلياً إن أمكن. قد تعتقد أنك ستنجز مهامك بشكل أسرع إذا تناولت الطعام أثناء العمل، ولكنك في الواقع لن تتسبب إلا في إنهاك قواك بشكل أسرع.

 

لا تخشى طلب بعض الوقت

ذات مرة جاء مديري إلى مكتبي بشكل غير متوقع وقال لي إن فريقه واقع في مأزق أثناء إعداد خطة مشروع ما وتنقصهم أفكار، وطلب مني أن أقترح فكرة ليرى إن كان لدي أفكار ستفيدهم في حل الأزمة. وبما أنني لم أكن على علم بالمشروع ولم يخبرني أحد بهذا الموضوع مسبقًا، فقد شعرت بأنني تحت ضغط لإعطائه فكرة على الفور بينما أفكر معه بصوتٍ عالٍ. انتهى بي الأمر أن أعطيته فكرة عادية لم أكن راضية عنها، لأنني أعرف أنه كان بمقدوري التوصل إلى فكرة أفضل. فما كان منه إلا أن قال لي إنه سيأخذ فكرتي بعين الاعتبار وغادر.

 

وفور مغادرته، تركت كل ما كنت أفعله من قبل، ووضعت سماعات الأذن، وجلست على حاسوبي لمدة 30 دقيقة، وفكرت بجدية في المسألة التي عرضها علي والخيارات الممكنة لحلها، حتى توصلت في النهاية إلى فكرة أقوى بكثير من تلك التي طرحتها في السابق. ثم ذهبت إلى مكتبه وأخبرته بأنه بعد بحث المسألة بشكلٍ وافٍ والتفكير فيها بتأنٍ وجدت فكرة أقوى؛ فقال لي إنه سعيد جدًّا بفكرتي الجديدة وقرر أن يدرجها ضمن الخطة التي كانوا يعملون بها.

 

المغزى من القصة: لا تخشى أن تطلب بعض الوقت بأسلوب مؤدب. وإذا كنت انطوائيًّا، فسيعمل عقلك بشكل أفضل في حال توافر بيئة تتيح لك العزلة مع وجود أقل قدر ممكن من المشتتات.

واذا استدعاك رئيسك إلى مكتبه فجأة وطلب منك الإدلاء برأيك في شيء ما، فلا بأس أن تقول له: “أنا على أتم استعداد للمساعدة، ولكن هل يمكنني أن أجري بعض البحث والتفكير في الأمر ثم أعود إليك لعرض أفكاري؟”

 

المراجع:

https://www.linkedin.com/pulse/value-introverts-workplace-why-employers-should-take-notice-carol-lee

https://www.csuchico.edu/eap/docs/empathia-advisor2014-04-IntrovertsExtroverts_and_the_Workplace.pdf

http://www.huffingtonpost.com/2013/08/05/an-introverts-office-surv_n_3670946.html

https://www.youtube.com/watch?v=QJWA2MARNxk

http://www.nytimes.com/2013/02/10/opinion/sunday/relax-youll-be-more-productive.html?pagewanted=all&_r=1

http://www.huffingtonpost.com/2015/08/15/famous-introverts_n_3733400.html

http://www.forbes.com/sites/blakemorgan/2015/05/11/how-an-introvert-can-thrive-in-an-extrovert-workplace/#58f7dc00691c

كتاب “هادئون: قوة الانطوائيين في عالم لا يستطيع أن يكف عن الكلام”، سوزان كين

https://uae.kinokuniya.com/bw/9780307352156

 

اشترك في نشرتنا البريدية

اشترك الآن لمواكبة أحدث مواضيعنا أسبوعياً

Show Buttons
Hide Buttons